اخترت لك هذه المادة :

الأحد، 10 أبريل، 2011


هذه بعض الأبيات كتبتها في أعقاب وقوع تلك الفتنة التي عمت البلاد العربية وخصت مصر بالنصيب الأوفي ، والتي يطلقون عليها " ثورات التحرير " ।


وقد هالني كيف أن قومي من المسلمين قد وقعوا في الفخ الذي نصبه لهم عدوهم بما يسمى بالفوضى الخلاقة وقومي مع ذلك يحسبون أنهم يحسنون صنعًا وقد زين لهم شياطين الإنس والجن ما أوقعوهم فيه بمعسول القول وزخرف العمل وهم مع ذلك يرفضون تمامًا فكرة أن هذه مؤامرة قد دبرت بليل !


وإليكم هذه الأبيات :


يا من يرى ما في الضمير ويسمع ******* أنت المعد لكل ما يتوقع


يا من يرجى للشــــــــــــدائد كلها ******* يا من إليه المشتكى والمفزع


يا من خـزائن فضله في قول كــن ******* أمنن فإن الفضل عندك أجمع


هذي جمـوع المسلمين تراقصــت ******* طربًا بنصر زائف لا ينفع


هذي جمـــــــوع الثائرين تهافتت ******* مثل الفراش على ضرامٍ يلمع


وتظنه نــــــــــــورًا فلمَّا أن هوت ******* وسط الجحيم رأيتها تتفزع


ورأيتها تســـــــــعى بغاية جهدها ******* نحو السراب لعله قد ينفع


وتظنه مـــــــــــــــاءً فلما أن دنت ******* فإذا الهجير على رمال يخدع


وسمعت صـــــــوتًا آتيًا من خلفهم ****** ويقول يا قومي رويدًا واسمعوا


هذي شــــــــــــــراك للعدو رأيتها ****** نسجت حبائلها بمكرٍ يخدع


مكر اليهود وكل أقلف مشـــــــرك ****** وكذاك أهل الكفر طرًا أجمع


أوَ ما علمت بأنهــــــــــم من غيهم ****** كادوا بمن هو البرية أرفع


أعني به المبعـــــــوث حقًا بالهدى ****** من غيره يوم القيامة يشفع

الجمعة، 9 أكتوبر، 2009

مهلاً يا شيخ الأزهر

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين ، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

وبعد ..

لقد أخذ الله رب العالمين العهد على أهل العلم أن يبينوه للناس ولا يكتمونه ، فنبذ فريق منهم ما علمهم الله إياه وراء ظهورهم ولم يعلموه للناس ، بل وأخفوه وبالغوا في إخفاءه ، حرصًا على مناصب زائلة ، وشرف زائف.

ولكن ، وحيث أن هذه الأمة المرحومة لا يخليها الله رب العالمين من قائمٍ بالحق ، يظهره ويدافع عنه بكل ما يملك ، فقد قام بواجب البيان والبلاغ فئام من أهل العلم ، وكوكبة صالحة من مخلصيهم - نحسبهم والله حسيبهم - ينفون عن الدين تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين.

فقام طلاب الدنيا وعُبَّاد المناصب - تعسوا وخابوا - بإعلان الحرب عليهم ، مستغلين في ذلك كلَّ ما يملكون من وسائل وما يستطيعون من حيل وما يجيدون من خداع لتشويه صورتهم وصدِّ الناس عن الحق الذي يدعون إليه.

هذا أمر واضح لا شك فيه ولا مرية تحوم حوله ؛ إذ أن هذا التدافع بين الحق والباطل وبين الهدى والضلال هو سنة الله تبارك وتعالى في الحق والباطل في كل زمان ومكان .

إن ما تناقلته وسائل الإعلام المقروءة والمرئية في الأيام القليلة الماضية من دخول شيخ الأزهر أحدَ المعاهد الأزهرية للفتيات ، ووقوع تلك المعركة التي كان هو أحد طرفيها بينما الطرف الآخر فتاة لا يتجاوز عمرها - على حدِّ قوله - إحدى عشر عامًا لأمر يندى له جبين كل حرٍّ حياءً وخجلاً.

إن كثيرًا من عوام المسلمين يعتقدون أن منصب شيخ الأزهر يعني : " ظل الله في الأرض " ، وأن من يشغل هذا المنصب يحق له أن يقول ما شاء ويفعل ما يريد دون أن يردعه رادع ولا أن يرد على كلامه رادٌّ ولو بحق.

والحق ليس كذلك ، إن دين الإسلام العظيم لم يجعل لأحد عصمة بعد الأنبياء والمرسلين ، فكلٌ يؤخذُ من قوله ويُرَدُّ عليه خلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

إن المكانة التي يحظى بها الأزهر في نفوس كثيرٍ من عوام المسلمين على طول هذه الأمة وعرضها إنما كانت بسبب أقوام كان لهم قدم الصدق في العلم والعمل والدعوة إلى الإسلام على منهاج النبوة ، لا مدخل فيها لصوفي هالك ، ولا لأشعري محترق .

إن النقاب - الذي هو المادة الإعلامية الأبرز اليوم - تراوحت فيه أقوال أهل العلم في القديم والحديث بدءًا من الصحابة إلى يومنا هذا ومرورًا بزمن التابعين وتابعيهم وعصر الأئمة - أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد - تراوحت الأقوال بين فريضة وفضيله ، ولم يقل أحد أبدًا من أهل العلم المعتبرين أنه عادة كما قال شيخ الأزهر .

وها هي الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس على وجوب ستر المرأة وجهها عن الرجال الأجانب كما ذكرها الشيخ العلامة ابن عثيمين في رسالته الماتعة حول الحجاب ، قال - رحمه الله - :
اعلم أيها المسلم أن احتجاب المرأة عن الرجال الأجانب وتغطية وجهها أمر واجب دل على وجوبه كتاب ربك تعالى، وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلّم، والاعتبار الصحيح، والقياس المطرد:
أولا: أدلة القرآن

فمن أدلة القرآن:
* الدليل الأول: قوله تعالى: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَـاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَآئِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَـانُهُنَّ أَوِ التَّـابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِى الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَآءِ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }. (النور: 31).

وبيان دلالة هذه الاية على وجوب الحجاب على المرأة عن الرجال الأجانب وجوه:

1 ـ أن الله تعالى أمر المؤمنات بحفظ فروجهن والأمر بحفظ الفرج أمر به وبما يكون وسيلة إليه، ولا يرتاب عاقل أن من وسائله تغطية الوجه؛ لأن كشفه سبب للنظر إليها وتأمل محاسنها والتلذذ بذلك، وبالتالي إلى الوصول والاتصال. وفي الحديث: «العينان تزنيان وزناهما النظر». إلى أن قال: «والفرج يصدق ذلك أو يكذبه»(1). فإذا كان تغطية الوجه من وسائل حفظ الفرج كان مأموراً به؛ لأن الوسائل لها أحكام المقاصد.

2 ـ قوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}. فإن الخمار ما تخمر به المرأة رأسها وتغطيه به كالغدفة فإذا كانت مأمورة بأن تضرب بالخمار على جيبها كانت مأمورة بستر وجهها، إما لأنه من لازم ذلك، أو بالقياس فإنه إذا وجب ستر النحر والصدر كان وجوب ستر الوجه من باب أولى؛ لأنه موضع الجمال والفتنة. فإن الناس الذين يتطلبون جمال الصورة لا يسألون إلا عن الوجه، فإذا كان جميلاً لم ينظروا إلى ما سواه نظراً ذا أهمية. ولذلك إذا قالوا فلانة جميلة لم يفهم من هذا الكلام إلا جمال الوجه فتبين أن الوجه هو موضع الجمال طلباً وخبراً، فإذا كان كذلك فكيف يفهم أن هذه الشريعة الحكيمة تأمر بستر الصدر والنحر ثم ترخص في كشف الوجه.

3 ـ أن الله تعالى نهى عن إبـداء الزينة مطلقاً إلا ما ظهـر منها، وهي التي لابد أن تظهر كظاهر الثياب ولذلك قـال: {إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} لم يقل إلا ما أظهرن منها، ثم نهى مرة أخرى عن إبداء الزينة إلا لمن استثناهم، فدل هذا على أن الزينة الثانية غير الزينة الأولى. فالزينة الأولى هي الزينة الظاهرة التي تظهر لكل أحد ولا يمكن إخفاؤها، والزينة الثانية هي الزينة الباطنة التي يتزين بها، ولو كانت هذه الزينة جائزة لكل أحد لم يكن للتعميم في الأولى والاستثناء في الثانية فائدة معلومة.

4 ـ أن الله تعالى يرخص بإبداء الزينة الباطنة للتابعين غير أولي الإربة من الرجال وهم الخدم الذين لا شهوة لهم، وللطفل الصغير الذي لم يبلغ الشهوة ولم يطلع على عورات النساء فدل هذا على أمرين:
أحدهما: أن إبداء الزينة الباطنة لا يحل لأحد من الأجانب إلا لهذين الصنفين.
الثاني: أن علة الحكم ومداره على خوف الفتنة بالمرأة والتعلق بها، ولا ريب أن الوجه مجمع الحسن وموضع الفتنة فيكون ستره واجباً لئلا يفتتن به أولو الإربة من الرجال.

5 ـ قوله تعالى: {وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ}.
يعني لا تضرب المرأة برجلها فيعلم ما تخفيه من الخلاخيل ونحوها مما تتحلى به للرجل، فإذا كانت المرأة منهية عن الضرب بالأرجل خوفاً من افتتان الرجل بما يسمع من صوت خلخالها ونحوه فكيف بكشف الوجه.
فأيما أعظم فتنة أن يسمع الرجل خلخالاً بقدم امرأة لا يدري ما هي وما جمالها؟! لا يدري أشابة هي أم عجوز؟! ولا يدري أشوهاء هي أم حسناء؟! أيما أعظم فتنة هذا أو أن ينظر إلى وجه سافر جميل ممتلىء شباباً ونضارة وحسناً وجمالاً وتجميلاً بما يجلب الفتنة ويدعو إلى النظر إليها؟! إن كل إنسان له إربة في النساء ليعلم أي الفتنتين أعظم وأحق بالستر والإخفاء.

* الدليل الثاني: قوله تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَآءِ الَّلَـتِى لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَـاتِ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عِلِيمٌ}. (النور: 60).
وجه الدلالة من هذه الاية الكريمة أن الله تعالى نفى الجناح وهو الإثم عن القواعد وهن العواجز اللاتي لا يرجون نكاحاً لعدم رغبة الرجال بهن لكبر سنهن. نفى الله الجناح عن هذه العجائز في وضع ثيابهن بشرط أن لا يكون الغرض من ذلك التبرج بالزينة. ومن المعلوم بالبداهة أنه ليس المراد بوضع الثياب أن يبقين عاريات، وإنما المراد وضع الثياب التي تكون فوق الدرع ونحوه مما لا يستر ما يظهر غالباً كالوجه والكفين فالثياب المذكورة المرخص لهذه العجائز في وضعها هي الثياب السابقة التي تستر جميع البدن وتخصيص الحكم بهؤلاء العجائز دليل على أن الشواب اللاتي يرجون النكاح يخالفنهن في الحكم، ولو كان الحكم شاملاً للجميع في جواز وضع الثياب ولبس درع ونحوه لم يكن لتخصيص القواعد فائدة.
وفي قوله تعالى: {غَيْرَ مُتَبَرِّجَـتِ بِزِينَةٍ}. دليل آخر على وجوب الحجاب على الشابة التي ترجو النكاح؛ لأن الغالب عليها إذا كشفت وجهها أن تريد التبرج بالزينة وإظهار جمالها وتطلع الرجال لها ومدحهم إياها ونحو ذلك، ومن سوى هذه نادرة والنادر لا حكم له.
* الدليل الثالث: قوله تعالى: {يأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لاَِزْوَاجِكَ وَبَنَـاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً }. (الأحزاب: 59).
قال ابن عباس رضي الله عنهما: «أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ويبدين عيناً واحدة»
(2). وتفسير الصحابي حجة، بل قال بعض العلماء إنه في حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلّم، وقوله رضي الله عنه «ويبدين عيناً واحدة» إنما رخص في ذلك لأجل الضرورة والحاجة إلى نظر الطريق فأما إذا لم يكن حاجة فلا موجب لكشف العين.
والجلباب هو الرداء فوق الخمار بمنزلة العباءة. قالت أم سلمة رضي الله عنها لما نزلت هذه الاية: «خرج نساء الأنصار كأن على رؤوسهن الغربان من السكينة وعليهن أكسية سود يلبسنها»
(3). وقد ذكر عبيدة السلماني وغيره أن نساء المؤمنين كن يدنين عليهن الجلابيب من فوق رؤوسهن حتى لا يظهر إلا عيونهن من أجل رؤية الطريق.
* الدليل الرابع: قوله تعالى: {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِى ءَابَآئِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآئِهِنَّ وَلاَ إِخْواَنِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلاَ أَبْنَآءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلاَ نِسَآئِهِنَّ وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيداً }. (الأحزاب: 55).
قال ابن كثير رحمه الله: لما أمر الله النساء بالحجاب عن الأجانب بيّن أن هؤلاء الأقارب لا يجب الاحتجاب عنهم كما استثناهم في سورة النور عند قوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ }. الاية.
فهذه أربعة أدلة من القرآن الكريم تفيد وجوب احتجاب المرأة عن الرجال الأجانب، والاية الأولى تضمنت الدلالة عن ذلك من خمسة أوجه.

ثانيًا : الأدلة من السنة

وأما أدلة السنة فمنها:


الدليل الأول: قوله صلى الله عليه وسلّم: «إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر منها إذا كان إنما ينظر إليها لخطبة وإن كانت لا تعلم»(4). رواه أحمد.
قال في مجمع الزوائد: رجاله رجال الصحيح. وجه الدلالة منه أن النبي صلى الله عليه وسلّم، نفى الجناح وهو الإثم عن الخاطب خاصة إذا نظر من مخطوبته بشرط أن يكون نظره للخطبة، فدل هذا على أن غير الخاطب آثم بالنظر إلى الأجنبية بكل حال، وكذلك الخاطب إذا نظر لغير الخطبة مثل أن يكون غرضه بالنظر التلذذ والتمتع به نحو ذلك.
فإن قيل: ليس في الحديث بيان ما ينظر إليه. فقد يكون المراد بذلك نظر الصدر والنحر فالجواب أن كل أحد يعلم أن مقصود الخاطب المريد للجمال إنما هو جمال الوجه وما سواه تبع لا يقصد غالباً. فالخاطب إنما ينظر إلى الوجه لأنه المقصود بالذات لمريد الجمال بلا ريب.
الدليل الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلّم لما أمر بإخراج النساء إلى مصلى العيد قلن: يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب فقال النبي صلى الله عليه وسلّم: «لتلبسها أختها من جلبابها»
(5). رواه البخاري ومسلم وغيرهما. فهذا الحديث يدل على أن المعتاد عند نساء الصحابة أن لا تخرج المرأة إلا بجلباب، وأنها عند عدمه لا يمكن أن تخرج. ولذلك ذكرن رضي الله عنهن هذا المانع لرسول الله صلى الله عليه وسلّم، حينما أمرهن بالخروج إلى مصلى العيد فبين النبي صلى الله عليه وسلّم، لهن حل هذا الإشكال بأن تلبسها أختها من جلبابها ولم يأذن لهن بالخروج بغير جلباب، مع أن الخروج إلى مصلى العيد مشروع مأمور به للرجال والنساء، فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم، لم يأذن لهن بالخروج بغير جلباب فيما هو مأمور به فكيف يرخص لهن في ترك الجلباب لخروج غير مأمور به ولا محتاج إليه؟! بل هو التجول في الأسواق والاختلاط بالرجال والتفرج الذي لا فائدة منه. وفي الأمر بلبس الجلباب دليل على أنه لابد من التستر. والله أعلم.
الدليل الثالث: ما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلّم، يصلي الفجر فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات بمروطهن ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد من الغلس
(6). وقالت: لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلّم، من النساء ما رأينا لمنعهن من المساجد كما منعت بنو إسرائيل نساءها. وقد روى نحو هذا عبدالله بن مسعود رضي الله عنه. والدلالة في هذا الحديث من وجهين:


أحدهما: أن الحجاب والتستر كان من عادة نساء الصحابة الذين هم خير القرون، وأكرمها على الله عز وجل، وأعلاها أخلاقاً وآداباً، وأكملها إيماناً، وأصلحها عملاً فهم القدوة الذين رضي الله عنهم وعمن اتبعوهم بإحسان، كما قال تعالى: {وَالسَّـابِقُونَ الاَْوَّلُونَ مِنَ الْمُهَـاجِرِينَ وَالأَنْصَـارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّـاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَـارُ خَـالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }. (التوبة: 100). فإذا كانت تلك طريقة نساء الصحابة فكيف يليق بنا أن نحيد عن تلك الطريقة التي في اتباعها بإحسان رضى الله تعالى عمن سلكها واتبعها، وقد قال الله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَآءَتْ مَصِيراً }. (النساء: 115).


الثاني: أن عائشة أم المؤمنين وعبدالله بن مسعود رضي الله عنهما وناهيك بهما علماً وفقهاً وبصيرة في دين الله ونصحاً لعباد الله أخبرا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلّم، لو رأى من النساء ما رأياه لمنعهن من المساجد، وهذا في زمان القرون المفضلة تغيرت الحال عما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلّم، إلى حد يقتضي منعهن من المساجد. فكيف بزماننا هذا بعد نحو ثلاثة عشر قرناً وقد اتسع الأمر وقل الحياء وضعف الدين في قلوب كثير من الناس؟!
وعائشة وابن مسعود رضي الله عنهما فهما ما شهدت به نصوص الشريعة الكاملة من أن كل أمر يترتب عليه محذور فهو محظور.
الدليل الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة». فقالت أم سلمة فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: «يرخينه شبراً». قالت إذن تنكشف أقدامهن. قال: «يرخينه ذراعاً ولا يزدن عليه»
(7). ففي هذا الحديث دليل على وجوب ستر قدم المرأة وأنه أمر معلوم عند نساء الصحابة رضي الله عنهم، والقدم أقل فتنة من الوجه والكفين بلا ريب. فالتنبيه بالأدنى تنبيه على ما فوقه وما هو أولى منه بالحكم، وحكمة الشرع تأبى أن يجب ستر ما هو أقل فتنة ويرخص في كشف ما هو أعظم منه فتنة، فإن هذا من التناقض المستحيل على حكمة الله وشرعه.
الدليل الخامس: قوله صلى الله عليه وسلّم: «إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه». رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي
(8). وجه الدلالة من هذا الحديث أنه يقتضي أن كشف السيدة وجهها لعبدها جائز مادام في ملكها فإذا خرج منه وجب عليها الاحتجاب لأنه صار أجنبياً فدل على وجوب احتجاب المرأة عن الرجل الأجنبي.
الدليل السادس: عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان الركبان يمرون بنا ونحن محرمات مع الرسول صلى الله عليه وسلّم، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها على وجهها من رأسها.
(9) فإذا جاوزونا كشفناه»، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه. ففي قولها: «فإذا جاوزونا» تعني الركبان «سدلت إحدانا جلبابها على وجهها» دليل على وجوب ستر الوجه لأن المشروع في الإحرام كشفه، فلولا وجود مانع قوي من كشفه حينئذ لوجب بقاؤه مكشوفاً. وبيان ذلك أن كشف الوجه في الإحرام واجب على النساء عند الأكثر من أهل العلم والواجب لا يعارضه إلا ما هو واجب، فلولا وجوب الاحتجاب وتغطية الوجه عن الأجانب ما ساغ ترك الواجب من كشفه حال الإحرام، وقد ثبت في الصحيحين وغيرها أن المرأة المحرمة تنهى عن النقاب والقفازين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا مما يدل على أن النقاب والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يحرمن وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن. فهذه ستة أدلة من السنة على وجوب احتجاب المرأة وتغطية وجهها عن الرجال الأجانب أضف إليها أدلة القرآن الأربعة تكن عشرة أدلة من الكتاب والسنة.

ثالثًا : دليل القياس

الدليل الحادي عشر: الاعتبار الصحيح والقياس المطرد الذي جاءت به هذه الشريعة الكاملة وهو إقرار المصالح ووسائلها والحث عليها، وإنكار المفاسد ووسائلها والزجر عنها. فكل ما كانت مصلحته خالصة أو راجحة على مفسدته فهو مأمور به أمر إيجاب أو أمر استحباب. وكل ما كانت مفسدته خالصة أو راجحة على مصلحة فهو نهي تحريم أو نهي تنزيه. وإذا تأملنا السفور وكشف المرأة وجهها للرجال الأجانب وجدناه يشتمل على مفاسد كثيرة وإن قدر فيه مصلحة فهي يسيرة منغمرة في جانب المفاسد. فمن مفاسده:
1 ـ الفتنة، فإن المرأة تفتن نفسها بفعل ما يجمل وجهها ويبهيه ويظهره بالمظهر الفاتن. وهذا من أكبر دواعي الشر والفساد.
2 ـ زوال الحياء عن المرأة الذي هو من الإيمان ومن مقتضيات فطرتها. فقد كانت المرأة مضرب المثل في الحياء. «أحيا من العذراء في خدرها»، وزوال الحياء عن المرأة نقص في إيمانها، وخروج عن الفطرة التي خلقت عليها.
3 ـ افتتان الرجال بها لاسيما إذا كانت جميلة وحصل منها تملق وضحك ومداعبة في كثير من السافرات وقد قيل «نظرة فسلام، فكلام، فموعد فلقاء».
والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم. فكم من كلام وضحك وفرح أوجب تعلق قلب الرجل بالمرأة، وقلب المرأة بالرجل فحصل بذلك من الشر ما لا يمكن دفعه نسأل الله السلامة.
4 ـ اختلاط النساء بالرجال، فإن المرأة إذا رأت نفسها مساوية للرجل في كشف الوجه والتجول سافرة لم يحصل منها حياء ولا خجل من مزاحمة، وفي ذلك فتنة كبيرة وفساد عريض. وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلّم، ذات يوم من المسجد وقد اختلط النساء مع الرجال في الطريق فقال النبي صلى الله عليه وسلّم: «استأخرن فإنه ليس لكن أن تحتضن الطريق. عليكن بحافات الطريق»
(10). فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق به من لصوقها. ذكره ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَـتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـرِهِنَّ}.
وقد نص شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على وجوب احتجاب المرأة عن الرجال الأجانب، فقال في الفتاوى المطبوعة أخيراً ص 110 ج 2 من الفقه و22 من المجموع: (وحقيقة الأمر أن الله جعل الزينة زينتين: زينة ظاهرة، وزينة غير ظاهرة، ويجوز لها إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج وذوات المحارم، وكانوا قبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب يرى الرجل وجهها ويديها وكان إذ ذاك يجوز لها أن تظهر الوجه والكفين، وكان حينئذ يجوز النظر إليها لأنه يجوز لها إظهاره. ثم لما أنزل الله آية الحجاب بقوله: {يأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لاَِزْوَاجِكَ وَبَنَـاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ} (حجب النساء عن الرجال). ثم قال: (والجلباب هو الملاءة وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره الرداء وتسميه العامة الإزار وهو الإزار الكبير الذي يغطي رأسها وسائر بدنها، ثم يقال: فإذا كن مأمورات بالجلباب لئلا يعرفن وهو ستر الوجه أو ستر الوجه بالنقاب كان الوجه واليدان من الزينة التي أمرت أن لا تظهرها للأجانب، فما بقي يحل للأجانب النظر إلى الثياب الظاهرة فابن مسعود ذكر آخر الأمرين، وابن عباس ذكر أول الأمرين) إلى أن قال: (وعكس ذلك الوجه واليدان والقدمان ليس لها أن تبدي ذلك للأجانب على أصح القولين بخلاف ما كان قبل النسخ بل لا تبدي إلا الثياب). وفي ص 117، 118 من الجزء المذكور (وأما وجهها ويداها وقدماها فهي إنما نهيت عن إبداء ذلك للأجانب لم تنه عن إبدائه للنساء ولا لذوي المحارم) وفي ص 152 من هذا الجزء قال: (وأصل هذا أن تعلم أن الشارع له مقصودان: أحدهما الفرق بين الرجال والنساء. الثاني: احتجاب النساء). هذا كلام شيخ الإسلام، وأما كلام غيره من فقهاء أصحاب الإمام أحمد فأذكر المذهب عند المتأخرين قال في المنتهى (ويحرم نظر خصي ومجبوب إلى أجنبية) وفي موضع آخر من الإقناع (ولا يجوز النظر إلى الحرة الأجنبية قصداً ويحرم نظر شعرها) وقال في متن الدليل: (والنظر ثمانية أقسام...).
الأول: نظر الرجل البالغ ولو مجبوباً للحرة البالغة الأجنبية لغير حاجة فلا يجوز له نظر شيء منها حتى شعرها المتصل أ.هـ
وأما كلام الشافعية فقالوا إن كان النظر لشهوة أو خيفت الفتنة به فحرام قطعاً بلا خلاف، وإن كان النظر بلا شهوة ولا خوف فتنة ففيه قولان حكاهما في شرح الإقناع لهم وقال: (الصحيح يحرم كما في المنهاج كأصله ووجه الإمام باتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات الوجوه وبأن النظر مظنة للفتنة ومحرك للشهوة).
وقد قال الله تعالى: {قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَـرِهِمْ}. واللائق بمحاسن الشريعة سد الباب والإعراض عن تفاصيل الأحوال ا.هـ. كلامه. وفي نيل الأوطار وشرح المنتقى (ذكر اتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن سافرات الوجوه لاسيما عند كثرة الفساق).

رابعاً : أدلة المبيحين لكشف الوجه والرد عليها


ولا أعلم لمن أجاز نظر الوجه والكفين من الأجنبية دليلاً من الكتاب والسنة سوى ما يأتي:
الأول: قوله تعالى: {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا} حيث قال ابن عباس رضي الله عنهما: «هي وجهها وكفاها والخاتم». قال الأعمش عن سعيد بن جبير عنه. وتفسير الصحابي حجة كما تقدم.
الثاني: ما رواه أبو داود في «سننه» عن عائشة رضي الله عنها أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال: «يا أسماء إن المرأة إذا بلغت سن المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا». وأشار إلى وجهه وكفيه
(11).
الثالث: ما رواه البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أخاه الفضل كان رديفاً للنبي صلى الله عليه وسلّم، في حجة الوداع فجاءت امرأة من خثعم فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه فجعل النبي صلى الله عليه وسلّم، يصرف وجه الفضل إلى الشق الاخر،
(12) ففي هذا دليل على أن هذه المرأة كاشفة وجهها.
الرابع: ما أخرجه البخاري وغيره من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه في صلاة النبي صلى الله عليه وسلّم، بالناس صلاة العيد ثم وعظ الناس وذكرهم ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن وقال: «يا معشر النساء تصدقن فإنكن أكثر حطب جهنم». فقامت امرأة من سطة النساء سعفاء الخدين. الحديث،
(13) ولولا أن وجهها مكشوفاً ما عرف أنها سعفاء الخدين.
هذا ما أعرفه من الأدلة التي يمكن أن يستدل بها على جواز كشف الوجه للأجانب من المرأة.

خامساً: الجواب عن هذه الأدلة.
ولكن هذه الأدلة لا تعارض ما سبق من أدلة وجوب ستره وذلك لوجهين:
أحدهما: أن أدلة وجوب ستره ناقلة عن الأصل، وأدلة جواز كشفه مبقية على الأصل، والناقل عن الأصل مقدم كما هو معروف عند الأصوليين. وذلك لأن الأصل بقاء الشيء على ما كان عليه. فإذا وجد الدليل الناقل عن الأصل دل ذلك على طروء الحكم على الأصل وتغييره له. ولذلك نقول إن مع الناقل زيادة علم. وهو إثبات تغيير الحكم الأصلي والمثبت مقدم على النافي. وهذا الوجه إجمالي ثابت حتى على تقدير تكافؤ الأدلة ثبوتاً ودلالة.
الثاني: إننا إذا تأملنا أدلة جواز كشفه وجدناها لا تكافىء أدلة المنع ويتضح ذلك بالجواب عن كل واحد منها بما يلي:
1 ـ عن تفسير ابن عباس ثلاثة أوجه:
أحدهما: محتمل أن مراده أول الأمرين قبل نزول آية الحجاب كما ذكره شيخ الإسلام ونقلنا كلامه آنفاً.
الثاني: يحتمل أن مراده الزينة التي نهى عن إبدائها كما ذكره ابن كثير في تفسيره ويؤيد هذين الاحتمالين تفسيره رضي الله عنه لقوله تعالى: {يأَيُّهَا النَّبِىُّ قُل لاَِزْوَجِكَ وَبَنَـاتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ}. كما سبق في الدليل الثالث من أدلة القرآن.
الثالث: إذا لم نسلم أن مراده أحد هذين الاحتمالين فإن تفسيره لا يكون حجة يجب قبولها إلا إذا لم يعارضه صحابي آخر. فإن عارضه صحابي آخر أخذ بما ترجحه الأدلة الأخرى، وابن عباس رضي الله عنهما قد عارض تفسيره ابن مسعود رضي الله عنه حيث فسر قوله: {إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا}. بالرداء والثياب وما لابد من ظهوره فوجب طلب الترجيح والعمل بما كان راجحاً في تفسيريهما.
2 ـ وعن حديث عائشة بأنه ضعيف من وجهين:
أحدهما: الانقطاع بين عائشة وخالد بن دريك الذي رواه عنها كما أعله بذلك أبو داود نفسه حيث قال: خالد بن دريك لم يسمع من عائشة وكذلك أعله أبو حاتم الرازي.
الثاني: أن في إسناده سعيد بن بشير النصري نزيل دمشق تركه ابن مهدي، وضعفه أحمد وابن معين وابن المديني والنسائي وعلى هذا فالحديث ضعيف لا يقاوم ما تقدم من الأحاديث الصحيحة الدالة على وجوب الحجاب. وأيضاً فإن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها كان لها حين هجرة النبي صلى الله عليه وسلّم، سبع وعشرون سنة. فهي كبيرة السن فيبعد أن تدخل على النبي صلى الله عليه وسلّم، وعليها ثياب رقاق تصف منها ما سوى الوجه والكفين والله أعلم، ثم على تقدير الصحة يحمل على ما قبل الحجاب لأن نصوص الحجاب ناقلة عن الأصل فتقدم عليه.
3 ـ وعن حديث ابن عباس بأنه لا دليل فيه على جواز النظر إلى الأجنبية لأن النبي صلى الله عليه وسلّم، لم يقر الفضل على ذلك بل حرف وجهه إلى الشق الاخر ولذلك ذكر النووي في شرح صحيح مسلم بأن من فوائد هذا الحديث تحريم نظر الأجنبية، وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في فوائد هذا الحديث: وفيه منع النظر إلى الأجنبيات وغض البصر، قال عياض وزعم بعضهم أنه غير واجب إلا عند خشية الفتنة قال: وعندي أن فعله صلى الله عليه وسلّم، إذا غطى وجه الفضل كما في الرواية. فإن قيل: فلماذا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلّم، المرأة بتغطية وجهها فالجواب أن الظاهر أنها كانت محرمة والمشروع في حقها أن لا تغطي وجهها إذا لم يكن أحد ينظر إليها من الأجانب، أو يقال لعل النبي صلى الله عليه وسلّم، أمرها بعد ذلك. فإن عدم نقل أمره بذلك لا يدل على عدم الأمر. إذ عدم النقل ليس نقلاً للعدم. وروى مسلم وأبو داود عن جرير بن عبدالله البجلي رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلّم، عن نظرة الفجاءة فقال: «اصرف بصرك» أو قال: فأمرني أن أصرف بصري
(14).
4 ـ وعن حديث جابر بأن لم يذكر متى كان ذلك فإما أن تكون هذه المرأة من القواعد اللاتي لا يرجون نكاحاً فكشف وجهها مباح، ولا يمنع وجوب الحجاب على غيرها، أو يكون قبل نزول آية الحجاب فإنها كانت في سورة الأحزاب سنة خمس أو ست من الهجرة، وصلاة العيد شرعت في السنة الثانية من الهجرة.
واعلم أننا إنما بسطنا الكلام في ذلك لحاجة الناس إلى معرفة الحكم في هذه المسألة الاجتماعية الكبيرة التي تناولها كثير ممن يريدون السفور. فلم يعطوها حقها من البحث والنظر، مع أن الواجب على كل باحث يتحرى العدل والإنصاف وأن لا يتكلم قبل أن يتعلم. وأن يقف بين أدلة الخلاف موقف الحاكم من الخصمين فينظر بعين العدل، ويحكم بطريق العلم، فلا يرجح أحد الطرفين بلا مرجح، بل ينظر في الأدلة من جميع النواحي، ولا يحمله اعتقاد أحد القولين على المبالغة والغلو في إثبات حججه والتقصير والإهمال لأدلة خصمه. ولذلك قال العلماء: «ينبغي أن يستدل قبل أن يعتقد» ليكون اعتقاده تابعاً للدليل لا متبوعاً له؛ لأن من اعتقد قبل أن يستدل قد يحمله اعتقاده على رد النصوص المخالفة لاعتقاده أو تحريفها إذا لم يمكنه ردها. ولقد رأينا ورأى غيرنا ضرر استتباع الاستدلال للاعتقاد حيث حمل صاحبه على تصحيح أحاديث ضعيفة. أو تحميل نصوص صحيحة ما لا تتحمله من الدلالة تثبيتاً لقوله واحتجاجاً له. فلقد قرأت مقالاً لكاتب حول عدم وجوب الحجاب احتج بحديث عائشة الذي رواه أبو داود في قصة دخول أسماء بنت أبي بكر على النبي صلى الله عليه وسلّم، وقوله لها: «إن المرأة إذا بلغت سن المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا». وأشار إلى وجهه وكفيه وذكر هذا الكاتب أنه حديث صحيح متفق عليه، وأن العلماء متفقون على صحته، والأمر ليس كذلك أيضاً وكيف يتفقون على صحته وأبو داود راويه أعله بالإرسال، وأحد رواته ضعفه الإمام أحمد وغيره من أئمة الحديث، ولكن التعصب والجهل يحمل صاحبه على البلاء والهلاك. قال ابن القيم:


وتعر من ثوبين من يلبسهمـا يلقى الردى بمذلة وهـوان
ثوب من الجهل المركب فوقه ثوب التعصب بئست الثوبان
وتحل بالانصاف أفخر حلة زينت بها الأعطاف والكتفان


وليحذر الكاتب والمؤلف من التقصير في طلب الأدلة وتمحيصها والتسرع إلى القول بلا علم فيكون ممن قال الله فيهم: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّـلِمِينَ }. (الأنعام: 144).
أو يجمع بين التقصير في طلب الدليل والتكذيب بما قام عليه الدليل فيكون منه شر على شر ويدخل في قوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَآءَهُ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَـفِرِينَ }. (الزمر: 32).
نسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقّاً ويوفقنا لاتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويوفقنا لاجتنابه ويهدينا صراطه المستقيم إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وعلى آله وأصحابه، وأتباعه أجمعين.

=========================================

(1) أخرجه البخاري كتاب الاستئذان باب زنا الجوارح دون الفرج 6243 مسلم كتاب القدر باب قدر على ابن آدم حظه من الزنا 2657.
(2) ذكره ابن كثير في التفسير 3/569.
(3) رواه ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير 2/569.
(4) أخرجه الإمام أحمد 24000
(5) أخرجه البخاري كتاب الحيض باب شهود الحائض العيدين 324 ومسلم كتاب صلاة العيدين باب ذكر إباحة خروج النساء في العيدين إلى المصلى 890.
(6) أخرجه البخاري كتاب الصلاة باب في كم تصلي المرأة من الثياب 372 ومسلم كتاب المساجد باب استحباب التكبير بالصبح 645.
(7) أخرجه الترمذي أبواب اللباس باب ما جاء في ذيول النساء 1731 والنسائي كتاب الزينة ذيول النساء 5338 وقال الترمذي حسن صحيح.
(8) أخرجه الإمام أحمد 27006 وأبو داوود كتاب العتق باب في المكاتب يؤدي بعض كتابه فيعجز أو يموت 3928 والترمذي أبواب البيوع باب ما جاء في المكاتب إذا كان عنده ما يؤدي 1261 وابن ماجة أبواب العتق باب المكاتب 2520.
(9) أخرجه الإمام أحمد 24522 وأبو داوود كتاب المناسك باب في المحرمة تغطي وجهها 1833.
(10) أخرجه أبو داوود أبواب السلام باب في مشي النساء مع الرجال في الطريق 5272.
(11) أخرجه أبو داوود كتاب اللباس ، باب فيما تبدي المرأة من زينتها (4104).
(12) أخرجه البخاري ، كتاب الحج ، باب وجوب الحج (1513) ، ومسلم ، باب الحج عن العاجز (1334).
(13) أخرجه مسلم ، كتاب صلاة العيدين ، باب صلاة العيدين (885) (4).

(14) رواه مسلم كتاب الآداب باب نظر الفجاءة (2159) (45).

الأربعاء، 4 فبراير، 2009

تيسير العلام بالتعريف بدين الإسلام (1)


الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخليله وصفوته من خلقه نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه من سلك سبيله واهتدى بهداه إلى يوم الدين.
أما بعد :

فقد آن الأوان للشروع في مقصود هذه المدونة ، ببيان منهج الإسلام وفضح ما عداه من المناهج ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيَّ عن بينه ، وسيكون ذلك بعرض عدة مقالات في التعريف بدين الإسلام بأسلوب سهل قريب المنال لكل طالب للحق وساعٍ إليه ، أما أولئك الذين يزورون هذه المدونة وأكوابهم قد امتلئت بالأهواء والشهوات وليس لهم هم إلا إلقاء الشبهات وتعكير الصافي فلم أعنَّ بهم ولم ألتفت إليهم ويممت القصد لا ألوي على شيء عسى الله رب العالمين أن يبلغنا الغاية التي إليها نطمح وهي : تعريف الخلق بدين الحق الذي جاء به نبي الصدق محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ثم أتلو ذلك بعدد من المقالات في نقض منهج الدروز من خلال كتبهم هم ، وليس لهم كتب يعتد بها لدى العقلاء من بني آدم وإنما هي ترهات وأوهام وأباطيل لفقوها واخترعوها وعدوها ديناً ولم يطلعوا عليها أحداً لما اشتملت عليه من أمور منافية لبداهات العقول ومسلمات الأفهام.
ثم أثني بالروافض أصل الحمأة ومنبع الفتن والأحقاد الذين شوهوا صفحة الإسلام على مرِّ العصور ، ومكروا بالإسلام وأهله ، ودخل على أهل الإسلام بسببهم وما زال من البلايا والمحن ما الله به عليم.
وهكذا الفرق تأتي تباعًا فمرجئة ، وقدرية ، ومعتزلة ، وإسماعيلية ، وخوارج ، وأباضية ، وزيدية ....... وهلم جرا
أسأل الله - تعالى - أن يمد في الأجل ، ويبلغني ما إليه أطمح بفضله وكرمه ومنه إنه ولي ذلك والقادر عليه وهو على كل شيء قدير.
وبعد :
فإن الله عز وجل بعث نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق وهو الإسلام الذي بعث الله به الرسل جميعاً حيث قال سبحانه وتعالى : ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِندَ الّلهِ الإِسلاَم ﴾ سورة آل عمران، الآية ١٩
وقال سبحانه :﴿ ومَن يبتغِ غَير الإِسلاَمِ دِينا فَلَن يقْبلَ مِنه و هُوَ فِي الآخِرة مِن الْخاسِرِين ﴾ سورة آل عمران، الآية ٨٥
فالإسلام هو : دين الله الذي بعث به جميع المرسلين من أولهم نوح إلى آخرهم وخاتمهم نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، وهو الذي كان عليه أبونا آدم ، فإن الله بعثه لنفسه وذريته نبياً على شريعة علَّمه إياها وشرعها له فاستقام عليها وكذلك ذريته من بعده ، حتى اجتالتهم الشياطين عن صراط الله المستقيم فبعث الله نوحاً ومن بعده من المرسلين عليهم الصلاة والسلام.
فالإسلام هو: الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله. هذا هو الإسلام.
فأصل دين الإسلام وأساسه هو توحيد الله عز وجل، وإخلاص العبادة له وحده سبحانه وتعالى، هذا هو أصل دين الإسلام : أن تكون العبادة لله وحده من دعاء وخوف ورجاء وصلاة وصوم وذبح ونذر وغير ذلك يكون لله وحده، ولهذا بعث الله الرسل جميعاً، كما قال عز وجل: ﴿ ولَقَد بعثنا فِي كُلِّ أُمةٍ رسولاً أَنِ اعبدواْ الّله َواجتنبواْ الطَّاغوت ﴾ سورة النحل، الآية ٣٦
ومعنى: ﴿ اعبدواْ الّله ﴾ يعني وحدوا الله ، خصوه بالعبادة . ﴿ واجتنبواْ الطَّاغوت ﴾ يعني اتركوا عبادة ما سوى الله، والطاغوت : كل ما عُبِدَ مِنْ دون الله من شجر أو حجر أو صنم أو كوكب أو غير ذلك، كله طاغوت.
لكن إذا كان المعبود لا يرضى بذلك كالأنبياء والملائكة والصالحين، فالطاغوت هو الشيطان الذي دعا إلى عبادتهم وزينها للناس وهم براءٌ من ذلك.
فأصل دين الإسلام هو هذا: إخلاص العبادة لله وحده دون كل ما سواه والكفر بعبادة غيره، يعني إنكار عبادة غيره واعتقاد بطلانها وأنها شرك بالله عز وجل.
هكذا بعث الله جميع الرسل، من أولهم نوح إلى آخرهم وخاتمهم محمد – صلى الله عليه وعلى آله وسلم - ، وهكذا علَّم الله آدم وشرع له، فعبد الله وحده،وهكذا ذريته على دينه عليه الصلاة والسلام، حتى وقع الشرك في بني آدم قبيل عهد نوح عليه الصلاة والسلام. وكل رسول بلَّغ أمته أنه مبعوث لهم ليأمرهم بتوحيد الله والإخلاص له :
فنوح ٌ- عليه السلام - قال لقومه : ﴿ اعبدواْ اللَّه ما لكم من إله غيره ﴾ كما في سورة الأعراف، الآية ٥٩.
وهكذا هود وصالح وشعيب وإبراهيم ولوط وغيرهم، كلهم قالوا لقومهم: ﴿ اعبدواْ اللَّه ما لكم من إله غيره ﴾ كما في سورة الأعراف، الآيات (٦٥،73،85) – وسورة هود ، الآيات (50،61،84) – وسورة المؤمنون، الآيات (23،32).
وهكذا موسى عليه الصلاة والسلام قال لقومه : ﴿ اعبدواْ اللَّه ما لكم من إله غيره ﴾، ﴿ إِنَّما إلهكم اللهُ الَّذي لا إله إلا هو وَسِعَ كلَّ شيءٍ علمًا ﴾ سورة طه، الآية ٩٨.
وهكذا عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام قال لقومه ذلك قال : ﴿ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم ﴾ سورة المائدة، الآية ١١٧
وهكذا محمد صلى الله عليه وسلم لما بعثه الله قال لقومه :" اعبدوا الله ما لكم من إله غيره "، وكان يعلمهم ويقول لهم: " قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " رواه الإمام أحمد في المسند برقم (15593)، وابن حبان (14/6562)
فهذه دعوة الرسل جميعاً، إنهم دعوا الأمم إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة، وتوجيههم إليه سبحانه بجميع حاجاتهم، في توكلهم ، في خوفهم ، في رجائهم ، في طلب الجنة، وطلب النجاة من النار، وطلب الرزق، وطلب العافية، وهكذا يخافونه ويرجونه ويُصَلُّونَ له ، ويصومون ويذبحون وينذرون؛ يرجون ثوابه ويخشون عقابه.
ومكث محمد صلى الله عليه وسلم في قومه في مكة عشر سنين، يدعوهم إلى توحيد الله قبل كل شيء، وينهاهم عن الشرك وهو التعلق بغير الله من الأشجار والأحجار والأصنام ونحو ذلك، ويقول لهم : " يا قوم قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ".
ومما ينبغي التنبيه عليه أن ما يتعلق بالأسباب الحسية ليس داخلاً في الشرك ولا في منافاة التوحيد ، وهي ما يتعلق بالأسباب الحسية مع الناس الحاضرين الموجودين ليس من الشرك في شيء، فإذا قال الإنسان لأخيه أو لشخص آخر من الناس : افعل كذا، ساعدني في كذا، اعمل لي كذا، كأصلح سيارتي، اعمل في مزرعتي، أحضر لي كذا وكذا، احمل هذا الشيء الثقيل، وهو يقدر على ذلك ويعلم أنه يقدر على ذلك، هذه أمور حسية ليس فيها شرك وليس فيها محظور، وإنما المراد بدعوة الله وحده وخوفه ورجائه ونحو ذلك فيما لا تعلق له بالأسباب الحسية مع الحاضر القادر الموجود، فإذا كان شخص حاضر موجود فكلَّمه أخوه أو صاحبه أو من يحتاج إليه من الناس يقول له : افعل كذا وافعل كذا بأجر أو بغير أجر فليس هذا من الشرك، وليس هذا منافياً للتوحيد بل هذه أمور حسية جائزة، فعلها الرسل وفعلها المسلمون فليست من الشرك، فإذا قال : يا فلان افعل كذا، ادع الله لي، استغفر لي، ساعدني في كذا، أعني على كذا، مما هو يقدر عليه أو يسمعه، أو بمكاتبة أو بالهاتف عن طريق الهاتف أو التلكس، في أمور يقدر عليها، ليس هذا من الشرك.
إنما الشرك أن يدعو ميتاً أو جماداً أو حياً يعتقد أنه يتصرف في الكون أو أن له قدرة وخاصية يتصرف في الكون دون الله، هذا هو الشرك الذي جاءت الرسل بالنهي عنه والتحذير منه، أما الأمور الحسية المعلومة التي يفعلها الإنسان مع الشخص الآخر الحاضر الحي الذي يقدر عليها بالمشافهة أو من طريق الكتابة أو التلكس أو الهاتف فهذه أمور جائزة حسية لا محظور فيها وليست من الشرك في شيء، كما قال الله – تعالى - في سورة القصص : ﴿ فَاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه ﴾ سورة القصص، الآية ١٥

فينبغي التنبه لهذا؛ لأن بعض الجهلة يشتبه عليه هذا الأمر.

· ومما ينبغي معرفته حول هذا الأصل أيضًا :

أن العبد لكي يكون موحدًا لله حقًا ينبغي أن يستكمل التوحيد بأقسامه الثلاثة وهي :
1. توحيد الربوبية : وهو إفراد الله تبارك وتعالى بالخلق والملك والتدبير ؛ فلا خالق إلا الله ، ولا رازق إلا الله ، ولا محيي ولا مميت إلا الله ، ولا مالك في الحقيقة إلا الله ، ولا تصرف لأحد كائنًا من كان في ملك الله سبحانه ، قال تعالى : ﴿ ألا له الخلق والأمر
ومما ينبغي معرفته أن هذا القسم من أقسام التوحيد ليس محل نزاع بين عامة بني آدم ؛ فكلهم مقرٌ به إلا من شذَّ شاردًا ، والإقرار به وحده دون بقية الأقسام لا يخرج من الكفر ، ولا يدخل الإسلام ، ولا يعصم دم قائله إلا إذا انضم إليه بقية الأقسام ، قال تعالى حاكيًا عن مشركي العرب الذين كذبوا النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يقبلوا التوحيد ؛ ولذلك قاتلهم النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - : ﴿ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله ﴾ ، وقال جل ذكره : ﴿ ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ﴾ ، ومع هذا لم يخرجوا عن كونهم مشركين مكذبين وكفارًا معاندين ، فما هذا ؟ ما يفسر هذا معرفة القسمين الآخرين من أقسام التوحيد وهما :
2. توحيد الألوهية : وهو إفراد الله تبارك وتعالى بالعبادة ، من : صلاة وصيام وحج ونذر وذبح ودعاء وخوف ورجاء ومحبة واستغاثة واستعانة وإنابة وخضوع وخشوع ... وغير ذلك من أنواع العبادات . قال تعالى : ﴿ قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له ﴾ ، وقال - جل ذكره - : ﴿ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ﴾ سورة البينة الآية 5
وهذا التوحيد هو الذي جاءت به الرسل ، كما أخبر القرآن عنهم أنهم دعوا أقوامهم بقولهم : ﴿ اعبدواْ اللَّه ما لكم من إله غيره ﴾ ، وهو معني الكلمة الطيبة " لا إله إلا الله " أي : لا معبود حق إلا الله ، وهذا التوحيد هو الذي من أجله خلقت السماوات والأرض ، والجنة والنار ، والجن والإنس ، ومن أجله دارت رحى الحرب بين حزب الرحمن وحزب الشيطان ، وهو بعينه الذي أنكره المشركون ولم يقبلوا به ، قال تعالى حاكيًا إعراضهم وتكذيبهم : ﴿ أجعل الآلهة إله واحدا إن هذا عجاب ﴾ سورة ص.
3. توحيد الأسماء والصفات : وهو إفراده سبحانه في أسمائه وصفاته ، فكما أنه واحد في ذاته ، فهو واحد في صفاته ، لا يشبه المخلوقين ولا يشبهه المخلوقون ، مستوٍ على عرشه بذاته ، قريب من خلقه بإحاطته وعلمه ، له الأسماء الحسنى والصفات العلى ، عرفنا بنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ، فالمؤمنون الموحدون حقاً يعرفون ربهم في الدنيا بأسمائه وصفاته ، ويعرفونه في الآخرة دون غيرهم من أهل الملل والأهواء .
وينبغي علينا لكي نحقق هذا القسم من أقسام التوحيد أن :
- نثبت لله تعالى ما أثبته لنفسه في كتابة وما أثبته له نبيه - صلى الله عليه وسلم - في سنته من غير تحريف ولا تعطيل ، ومن غير تشبيه ولا تمثيل ، ﴿ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ﴾ .
- لا نشبهه - سبحانه - في شيء من صفاته بصفات المخلوقين ، ولا نشبه المخلوقين به سبحانه وتعالى ، فمعلوم أن الصفات على قدر الذوات ، وذاته سبحانه ليس كمثلها ذات ؛ ولذلك فصفاته ليس كمثلها صفات.
- لا نُسمِّ الله - تبارك وتعالى - بما لم يسم به نفسه ولم يسمه به نبيه - صلى الله عليه وسلم .

ومن العجيب أن عامة المتكلمين في أمر التوحيد في هذه الأيام - إلا من رحم الله - يركزون على القسم الأول - توحيد الربوبية - ويهملون الكلام عن بقية الأقسام عن عمدٍ أو عن جهلٍ ، وكأنهم يخاطبون أقوامًا لا يقرون بربوبية الله تعالى ، يفعلون ذلك وهم يمارسون الدعوة بين الجماهير المسلمة ، وكأنهم يخاطبون أقواماً أشد كفرًا من أبي جهل وأبي لهب وأضرابهم ؛ لأن هؤلاء لم ينكروا هذا التوحيد ، ولو جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعوهم إليه ما كذبوه ولا عاندوه ، ولكن عاندوه وقاتلوه وأخرجوه وآذوه بسبب أن يعلمون أن معنى " لا إله إلا الله " هو : أن يصرفوا العبادة بجميع أشكالها لله رب العالمين وأن ينبذوا ما كان يعبد آباؤهم وأسلافهم ، والقرآن كله من أوله إلى آخره شاهد على ذلك.

وبعد : فهذا شرح مجمل حول هذا الأصل الأول من أصول الإسلام ، والذي هو أصل الأصول ، وللموضوع بقية تأتيكم قريباً في مقال تالٍ . وأرجو من الإخوة التواصل بالتعليقات والاستفسارات والنصائح ومن وراء ذلك الدعاء ثم الدعاء ثم الدعاء.



الثلاثاء، 27 يناير، 2009

بيان وإيضاح

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، نبينا محمد - صلى الله عليه وعلى آله وسلم وصحبه ، ومن تابعه على دينه وكان من حزبه .
وبعد :
فهذا بيان وإيضاح لأمر كنت أظنه واضحًا ، وإزالة لإشكال ما حسبت أنه واردًا ، ولكني لاحظت وروده في ثنايا بعض تعليقات أحبائي من أهل الخير - أحسبهم والله حسيبهم - فكان لزامًا عليَّ دفعه ، وتبرءة الساحة منه ؛ ليسلم لنا فيما بعد هدفنا الذي إليه نطمح ، وغايتنا التي إليها نسعى .
هذا الإشكال هو أني عندما نشرت موضوعي الأخير والذي بعنوان : " بيان ما هو العلم الفرض " وصلتني تعليقات كريمة من بعض إخواني تستشكل مناسبة هذا الموضوع لهذه المدونة ، وذلك - في ظني - راجع لعدة أسباب :
  1. أن كثيراً من الأمور يدور حول " كم من شيء لم يتحدد قبلا " ؛ بمعنى أنه لابد من تحديد الأساس الذي نتحاكم إليه عند التنازع ، ولذلك وجب بيان العقيدة الصحيحة والشرع الذي لابد أن يتبع ؛ ليكون ذلك بمثابة المعيار الذي نُقَيّمُ من خلاله عقائد وشرائع تلك الفرق المنحرفة .فهذا الموضوع هو بمثابة توطئة لما سيأتي من بيان العقيدة الصحيحة وما يضادها من العقائد المنحرفة عند أرباب الفرق الضالة.
  2. أن البعض ظن أن موضوع هذه المدونة هو فقط الحديث عن الدروز - وإن كان موضوع الدروز وعقائدهم وانحرافاتهم سيحتل مكانة كبيرة بين موضوعات هذه المدونة وسأبدأ به قريبًا - والحقيقة ليست كذلك ؛ فقد حددت موضوع المدونة من اليوم الأول لها وذلك من خلال " الكلمة الافتتاحية " التي بينت فيها أن موضوع المدونة هو " بيان سبيل المؤمنين والدعوة إليه وبيان سبيل المجرمين والتحذير منه " ؛ ولذلك فالأصل هو بيان سبيل المؤمنين أولاً ثم بيان سبل المجرمين - وهي كثيرة - كما بين النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم .
  3. أن المدونة كما هي مهتمة بأتباع فرق الضلالة من المغيبين عن حقيقة مذاهبهم التي يعتنقونها وراثة ، فهي أيضاً يعنيها إخواننا من أهل الإسلام الذين يجهلون عن دينهم أيسر الأمور والتي يكون تعلمها فرض عين عليهم ، وبدونها لا تصح لهم عبادة ، وبعض هذه الأمور التي يجهلها كثير من المسلمين منها ما يتعلق بالاعتقاد ، وقد يخرج المسلم بتفريطه في معرفتها من الإسلام بالكلية .

وأخيرًا إخواني الأحبة :

أود أن أبشركم بأني قمت بالفعل بإعداد عدد من المقالات في نقض كتاب " شرح الميثاق " لنشرها عليكم تباعًا ، وقد قمت بإدراج صور صفحات الكتاب التي أقوم بالرد عليها حتى لا أترك مجال لمشكك في صحة النقل ، وقد حصلت على هذا الكتاب من أخ لنا مسلم كان من بين أفراد هذه الطائفة ثم هداه الله تعالى إلى الحق وشرح صدره للإسلام.

هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

السبت، 24 يناير، 2009

ما هو العلم الفرض؟




قال الشيخ العلامة محمد بن سعيد رسلان – حفظه الله ورعاه – في كتابه : " فضل العلم " (ص15 – ص 20) ما نصه :


باب بيان ما هو العلم الفرض

أخرج ابن ماجة في "سننه" بسنده عن أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ »(1).
ولما كان الفهم عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم مشروطاً فيه أن يكون على مرادِ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم لا على حسب الأهواء , كان لِزاماً أن يُنظر في مدلولِ اللفظِ الذي تلفَّظَ به الرسول صلى الله عليه وسلم , حتى يكون فهمُ اللفظِ على مراد الرسول صلى الله عليه وسلم , لذلك ننظر - إن شاء الله - في معنى : "الواجب", وفي معنى : "الفرض", ثم ننظر - إن شاء الله - في معنى "فرض العين", وفي معنى : "فرض الكفاية",حتى نكون على بيِّنةٍ من الأمر .
قال الشوكانيُّ رحمه اللهُ : " الواجبُ في الاصطلاح : ما يُمدح فاعلُه, ويُذَمُّ تاركُه, على بعض الوجوه, ويرادفُه الفرض عند الجمهور, وقيل : الفرض ما كان دليلُه قطعيّا, والواجب ما كان دليلُه ظنيّا, والأول أولى"(2).
فالفرض عند الجمهور هو ما طلب الشارع فعلَه على وجه اللزومِ, بحيث يُذَمُّ تاركُه, ومع الذمِّ العقابُ, ويمدح فاعلُه ومع المدحِ الثوابُ(3).
والواجب - وهو الفرض عند الجمهور - ينقسم على : " واجبٍ عيني, وواجب على الكفاية , فالواجب العينيُّ هو : ما ينظر فيه الشارع إلى ذات الفاعلِ; كالصلاة والزكاة والصوم, لأنًّ كلَّ شخصٍ تلزمه بعينه طاعةُ اللهِ عزَّ وجلَّ لقوله تعالى : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات : 56].
وأما الواجب على الكفاية فضابطه أنه ما ينظر فيه الشارعُ إلى نفس الفعلِ, بقطع النظرِ عن فاعلِهِ؛ كدفنِ الميت, وإنقاذِ الغريق ونحو ذلك, فإن الشارعَ لم ينظر إلى عينِ الشخصِ الذي يدفنُ الميتَ أو ينقذُ الغريقَ, إذ لا فرقَ عنده في ذلك بين زيدٍ وعمرٍو, وإنما ينظر إلى نفسِ الفعلِ الذي هو الدفنُ أو الإنقاذُ مثلاً "(4).
فالواجب العينيُّ: هو ما توجَّه فيه الطلبُ اللازم إلى كلِّ مكلَّفٍ, أي: هو ما طلب الشارعُ حصوله من كلِّ واحدٍ من المكلَّفين, فلا يكفي فيه قيامُ البعضِ دون البعضِ الآخرِ, ولا تبرأ ذِمَّةُ المكلَّفِ منه إلا بأدائِهِ؛ لأنَّ قصدَ الشارع في هذا الواجب, لا يتحقَّق, إلا إذا فعله كلُّ مكلَّفٍ, ومن ثَمَّ يأثم تاركُه ويلحقه العقابُ, ولا يُغني عنه قيامُ غيره به.
فالمنظورُ إليه في هذا الواجب: الفعلُ نفسُه والفاعلُ نفسُه, ومثالُه: الصلاةُ, والصيامُ, والوفاءُ بالعقودِ, وإعطاءُ كلِّ ذي حقٍّ حقَّه.
والواجبُ على الكفاية: هو ما طلب الشارعُ حصولُه من جماعةِ المكلَّفين, لا من كلِّ فردٍ منهم؛ لأنَّ مقصودَ الشارعِ حصولُه من الجماعةِ, أي: إيجادُ الفعلِ لا ابتلاءُ المكلَّفِ, فإذا فعله البعضُ سقط الفرضُ عن الباقيين؛ لأنَّ فعلَ البعضِ يقوم مقامَ فعلِ البعضِ الآخرِ, فكان التاركُ بهذا الاعتبارِ فاعلاً,وإذا لم يقم به أحدٌ أَثِمَ جميعُ القادرين.
فالطلبُ في هذا الواجبِ منصبٌّ على إيجادِ الفعلِ لا على فاعلٍ معيَّنٍ, وأمَّا في الواجبِ العينيِّ فالمقصودُ تحصيلُ الفعل, ولكن من كلِّ مكلَّفٍ. وإنما يأثم الجميعُ إذا لم يحصل الواجب الكفائيُّ؛ لأنه مطلوب من مجموعِ الأمةِ, فالقادر على الفعلِ عليه أن يفعله, والعاجزُ عنه عليه أن يَحُثَّ القادرَ, ويحمله على فعله, فإذا لم يحصل الواجبُ كان ذلك تقصيرًا من الجميعِ: من القادرِ, لأنه لم يفعله, ومن العاجزِ, لأنه لم يحمل القادرَ على فعلِهِ ويحثُّه عليه(5).
وقد يؤول واجبُ الكفايةِ إلى أن يكون واجبًا عينيّا, فلو كانت البلدُ مضطرةً إلى قاضيين, وكان هناك عشرةٌ يصلحون للقضاءِ؛ فإنَّ تولِّيه واجبٌ كفائيٌّ على العشرةِ.
وأمَّا إن لم يكن هناك غيرُ اثنين, فإنه يكون واجبًا عينيّا عليهما(6).
رَجعٌ إلى حديثِ أنسٍ :

عن أنسٍ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ».
قال ابن عبد البرِّ رحمه اللهُ في كتاب "جامع بيان العلم", بعد أن روى هذا الحديثَ من عِدَّةِ طرقٍ ذكرها: "قد أجمع العلماءُ على أنَّ من العلمِ ما هو فرضٌ متعيَّنٌ على كلِّ امرئٍ في خاصَّة نفسِه, ومنه ما هو فرضٌ على الكفايةِ إذا قام به قائمٌ سقط فرضُه عن أهلِ ذلك الموضعِ, واختلفوا في تلخيصِ ذلك.
والذي يلزم الجميعَ فرضُه من ذلك: ما لا يسعُ الإنسانَ جهلُه من جُملةِ الفرائضِ المفترَضةِ عليه, نحو: الشهادةُ باللسانِ والإقرارُ بالقلب بأنَّ الله وحده لا شريك له, ولا شِبْهَ له ولا مِثْلَ, لم يلد ولم يُولد ولم يكن له كُفُوًا أحدٌ, خالقُ كلِّ شيءٍ, وإليه مرجعُ كلِّ شيءٍ, المحيي المميتُ, الحيُّ الذي لا يموتُ. والذي عليه جماعةُ أهلِ السنةِ أنه لم يزل بصفاتِهِ وأسمائِهِ, ليس لأوَّليَّته ابتداءٌ, ولا لآخريتِهِ انقضاءٌ, وهو على العرشِ استوى.
والشهادةُ بأنَّ محمدًا صلى الله عليه وسلم عبدُهُ ورسولُهُ, وخاتمُ أنبيائِهِ, حقٌّ, وأنَّ البعثّ يغد الموتِ للمجازاةِ بالأعمالِ, والخلودَ في الآخرة لأهلِ السعادةِ بالإيمانِ والطاعةِ في الجنةِ, ولأهلِ الشقاوةِ بالكفرِ والجحودِ في السعير حقٌّ, وأنَّ القرآنَ كلامُ اللهِ, وما فيه حقٌّ من عند اللهِ يجب الإيمانُ بجميعِهِ واستعمالِ مُحْكَمِهِ, وأنَّ الصلواتِ الخمسَ فرضٌ, ويلزمه من علمها علمُ ما لا تتمُّ إلا به من طهارتها وسائرِ أحكامها, وأنَّ صومَ رمضان فرضٌ, ويَلْزَمُهُ علمُ ما يُفسِدُ صومَه وما لا يتمُّ إلا به, وإن كان ذا مالٍ وقدرةٍ على الحجِّ لزمه فرضًا أن يعرف ما تجب فيه الزكاةُ ومتى تَجِبُ وفي كم تجبُ, ويلزمه أن يعلم بأنَّ الحجَّ عليه فرضٌ مرَّةً واحدةً في دهرِهِ إن استطاع إليه سبيلاً, إلى أشياءَ يلزمُهُ معرفةُ جُمَلِهَا ولا يُعذر بجهلها, نحو: تحريمُ الزنا والربا, وتحريمُ الخمرِ والخنزيرِ وأكلِ الميتةِ والأنجاسِ كلِّها والغَضْبِ والرِّشوةِ على الحكمِ والشهادةِ بالزُّورِ وأكلِ أموالِ الناسِ بالباطلِ وبغيرِ طِيبٍ من أنفسِهم إلا إذا كان شيئًا لا يُتَشَاحُّ فيه ولا يُرْغَبُ في مِثْلِهِ, وتحريمُ الظُّلْمِ كلِّه, وتحريمُ نكاحِ الأمهاتِ والأخواتِ ومَنْ ذُكر معهنَّ, وتحريمُ قتلِ النفسِ المؤمنةِ بغيرِ حقٍّ, وما كان مثلَ هذا كلِّه مما قد نطقَ الكتابُ به وأجمعت الأمةُ عليه.
ثم سائرُ العلمِ وطلبِه والتفقُّهِ فيه وتعليمِ الناسِ إياه, وفتواهم به في مصالحِ دينهم ودنياهم فهو فرضٌ على الكفايةِ يلزم الجميع فرضُه, فإذا قام به قائمٌ سقط فرضُه عن الباقين, لا خلافَ بين العلماءِ في ذلك, وحجَّتُهُم فيه قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة : 122].
فألزم النفيرَ في ذلك البعضَ دون الكلِّ, ثم ينصرفون فيعلِّمون غيرهم, والطائفةُ في لسانِ العربِ: الواحدُ فما فوقه"(7).
وقد ساق ابن قدامة رحمه اللهُ حديثَ أنسٍ رضي الله عنه في فرضيةِ طلبِ العلمِ, ثم قال: "قال المصنِّفُ رحمه الله تعالى: اختلف الناسُ في ذلك:
فقال الفقهاءُ: هو علمُ الفقهِ؛ إذ به يُعرف الحلالُ والحرامُ.
وقال المفسِّرون والمحدِّثون: هو علم الكتابِ والسنَّةِ؛ إذ بهما يُتَوَصَّلُ إلى العلومِ كلِّها.
وقالت الصوفيةُ: هو علمُ الإخلاصِ وآفاتِ النفوسِ.
وقال المتكلِّمون: هو علمُ الكلامِ.
إلى غير ذلك من الأقوالِ التي ليس فيها قولٌ مَرْضِيٌّ, والصحيحُ أنَّه: علمُ معاملةِ العبدِ لربِّه.
والمعاملةُ التي كُلِّفَهَا (العبدُ) على ثلاثةِ أقسامٍ: اعتقادٌ, وفعلٌ, وتركٌ.
فإذا بَلَغَ الصبيُّ, فأولُ واجبٍ عليه تُعُلُّمُ كلمتي الشهادةِ وفهمُ معناها وإن لم يحصل ذلك بالنظرِ والدليلِ, لأنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم اكتفى من أجلافِ العربِ بالتصديقِ من غيرِ تعلُّمِ دليلِ, فذلك فرضُ الوقتِ, ثم يجب عليه النظرُ والاستدلالُ(8).
فإذا جاء وقتُ الصلاةِ وَجَبَ عليه تعلُّمُ الطهارةِ والصلاةِ, فإذا عاش إلى رمضان وَجَبَ عليه تعلُّمُ الصومِ, فإن كان له مالٌ, وحال عليه الحَوْلُ وجب عليه تعلُّمُ الزكاةِ, وإن جاء وقتُ الحجِّ وهو مستطيعٌ وَجَبَ عليه تعلُّمُ المناسكِ.
وأمَّا التروكُ: فهو بحسب ما يتجدَّد من الأحوالِ, إذ لا يجب على الأعمى تعلُّمُ ما يَحْرُمُ النظرُ إليه, ولا على الأبكم تعلُّمُ ما يَحْرُم من الكلامِ, فإن كان في بلدٍ يُتعاطى فيه شُرب الخمرِ ولُبْسُ الحريرِ, وجب عليه أن يعرفَ تحريمَ ذلك.
وأمَّا الاعتقاداتُ: فيجب علمُهَا بحسبِ الخواطرِ, فإن خَطَرَ له شَكٌّ في المعاني التي تدلُّ عليها كلمتا الشهادةِ, وَجَبَ عليه تعلُّمُ ما يصل به إلى إزالةِ الشكِّ, وإن كان في بلدٍ قد كَثُرَتْ فيه البدعُ, وَجَبَ عليه أن يتلقَّن الحقَّ, كما لو كان تاجرًا في بلدٍ شاع فيه الربا, وجب عليه أن يتعلَّمَ الحذرَ منه. وينبغي أن يتعلَّم الإيمانَ بالبعثِ والجنةِ والنَّارِ...
فبان بما ذكرنا أن المرادَ بطلبِ العلمِ الذي هو فرضُ عينٍ: ما يتعيَّنُ وجوبُهُ على الشخصِ.
وأما فرضُ الكفايةِ: فهو كلُّ علمٍ لا يُستغنى عنه في قِوَامِ أمورِ الدنيا؛ كالطبِّ: إذ هو ضروريٌّ في حاجةِ بقاء الأبدانِ على الصحةِ, والحسابِ: فإنَّه ضروريٌّ في قسمةِ المواريث والوصايا وغيرها فهذه العلومُ لو خَلا البلدُ عمَّن يقوم بها حَرِجَ أهلُ البلدِ, وإذا قام بها واحدٌ كفى وسقط الفرضُ عن الباقين"(9). تبيَّن مما سَبَقَ أنَّ من العلمِ ما هو فرضُ عينٍ, وهو ما لا يصحُّ اعتقادُ أحدٍ, ولا عبادتُه إلا به, ومنه ما هو فرضُ كفايةٍ, وهو علمُ ما ليس مفروضًا عليه في الوقتِ, وقد قام به قائمٌ فسقطت فرضيتُه في الوقت عنه

===========================================

(1) الحديثُ صحَّحه الألبانيُّ في "صحيح سنن ابن ماجة" رقم (183), واستوفى في "تخريج أحاديث مشكلة الفقر" طرقه بحثًا واستقراءً وتتبُّعًا, ثم قال: "فالحديثُ بمجموع ذلك صحيحٌ بلا ريب عندي", ثم نقل عن العراقي تصحيحَ بعضِ الأئمة لبعضِ طرقه, ونقل تحسينَ المزي والسيوطي للحديث, ثم قال: "والتحقيق أنه صحيح, والله أعلم".ثم قال: "اشتهر الحديث في هذه الأزمنة بزيادة "مسلمة", ولا أصل لها ألبتة, وقد نبَّه على ذلك السخاوي فقال: "قد ألحق بعضُ المصنفين بآخر هذا الحديث و"مسلمة", وليس لها ذكرٌ في شيءٍ من طرقه, وإن كان معناها صحيحًا". ]انظر: تخريج أحاديث مشكلة الفقر, للألباني, ص48 – 62[.
(2) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول للشوكاني. تحقيق الدكتور شعبان محمد إسماعيل(1/50).
(3) عند الأحناف أن "الفرض" غير "الواجب", ويوجد في بعض كلام غير الحنفية التفريقُ بين الفرض والواجب, على قلَّةٍ, والجمهور على ترادف اللفظين. ارجع في ذلك: "الإحكام في أصول الأحكام" للآمدي(1/139), و "أصول الفقه" للشيخ محمد أبو النور زهير(1/53), و "الوجيز في أصول الفقه" للدكتور عبد الكريم زيدان ص31, و "الواضح في أصول الفقه" للدكتور محمد سليمان الأشقر (ص24).
(4) مذكرة أصول الفقه للشيخ محمد الأمين الشنقطي (ص12).
(5) الوجيز في أصول الفقه للدكتور عبد الكريم زيدان (ص36).
(6) الواضح في أصول الفقه للدكتور محمد سليمان الأشقر (ص37).
(7) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر (ص5 - 7).
(8) في وجوب هذا النظر نظر.
(9) مختصر منهاج القاصدين لابن قدامة المقدسي. تحقيق علي حسن عبد الحميد (ص24).

الخميس، 18 ديسمبر، 2008

الكلمة الافتتاحية

بسم الله الرحمن الرحمن الرحيم
إنَّ الحَمْدَ للهِ ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنفُسِنَا ، وَسَيْئَاتِ أَعْمَالِنا ، مَنْ يَهْدِهِ الله ُفَلا مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا الله ُ، وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صلى الله عليه وعلى آله وسلم .

( يَا أَيُّهَا الَّذِيِنَ آمَنُوا اتَّقُوا الله َحَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنتُمْ مُسْلِمُونَ ) " آل عمران : 102 " .
( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيِرَاً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا الله َالَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيِبَاً ) " النساء :1 " .
( يَا أَيُّهَا الَّذِيِنَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيِدَاً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ الله َوَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزَاً عَظِيِمَاً ) " الأحزاب :70-71 " .

أمَّا بَعْدُ :

فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيِثِ كِتَابُ اللهِ ، وَخَيْرَ الهَدْيِّ هَدْيُّ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا ، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ ، وَكُلَّ ضَلالةٍ في النَّارِ .
أَمَّا بَعْدُ :
فَقَدْ أَخْرَجَ التِرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ وَالحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ وَغَيْرُهُمَا في غَيْرِهِمَا عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْروٍ –رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- عَنِ النَّبيِّ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - قَاَلَ :
« لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أُمَّتِي مَا أَتَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ حَتَّى إِنْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ أَتَى أُمَّهُ عَلاَنِيَةً لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ وَإِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ تَفَرَّقَتْ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلاَّ مِلَّةً وَاحِدَةً، قَالُوا : مَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَاَلَ: مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي »
ولقد بين الله رب العالمين في كتابه ، وبين الرسول - صلى الله عليه وسلم- في سنته خصائص الفرقة الناجية، ورغب الخلق في استكمالها والتحقق بها، وكذلك بين خصائص فرق الغواية ، وحذر من سلوك سبلهم والاغترار بزيفهم وبهرجتهم .
الهدف من هذه المدونة
ولذلك : فإن الهدف من هذه المدونة هو ( تبيين سبيل المؤمنين والتحذير من سبيل المجرمين ) ليهلك من هلك عن بينة ، ويحيى من حيَّ عن بينه .
هذا ؛ وقد خصصت هذه المدونة لتبيين المنهاج الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم - عقيدةً وسلوكًا - والذي لا يُقبل من أحد يوم القيامة صرفًا ولا عدلاً إلا إذا كان تحت لوائه ، و كذلك توضيح سبيل المجرمين الزائغين عن هذا المنهاج في العقائد والعبادات ، كل بحسبه .
وسأبدأ أولاً ببيان خصائص الفرقة الناجية المنصورة من الكتاب والسنة الصحيحة - في عدة مقالات متتابعة - لتكون بمثابة التأسيس الذي نبني عليه عند تناولنا لمناهج فرق الضلال سواء في العقائد أو الشرائع.
هذا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
انتظرونا في اللقاء التالي
أبو عبد الرحمن

نشأة الدروز وأهم معتقاداتهم

نشأة الدروز وأهم معتقاداتهم

هي فرقة باطنية تؤلِّه الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله ، أخذت جل عقائدها من الإسماعيلية، وهي تنتسب إلى نشتكين الدرزي، نشأت في مصر لكنها لم تلبث أن هاجرت إلى الشام، عقائدها خليط من عدة أديان وأفكار، كما أنها تؤمن بسرية أفكارها، فلا تنشرها على الناس، ولا تعلمها لأبنائها إلا إذا بلغوا سن الأربعين .

أبرز الشخصيات :
  1. محور العقيدة الدرزية هو الخليفة الفاطمي : أبو علي المنصور بن العزيز بالله بن المعز لدين الله الفاطمي الملقب بالحاكم بأمر الله ولد سنة 375هـ‍ وقتل سنة 411هـ‍، كان شاذاً في فكره وسلوكه وتصرفاته، شديد القسوة والتناقض والحقد على الناس، أكثر من القتل والتعذيب دون أسباب تدعو إلى ذلك .

  2. المؤسس الفعلي لهذه العقيدة هو : حمزة بن علي بن محمد الزوزني وهو الذي أعلن سنة 408ـه‍ أن روح الإله قد حلت في الحاكم ودعا إلى ذلك وألف كتب العقائد الدرزية .
  3. محمد بن إسماعيل الدرزي : المعروف بنشتكين، كان مع حمزة في تأسيس عقائد الدروز إلا أنه تسرع في إعلان ألوهية الحاكم سنة 407 هـ‍ مما أغضب حمزة عليه وأثار الناس ضده حيث فر إلى الشام وهناك دعا إلى مذهبه وظهرت الفرقة الدرزية التي ارتبطت باسمه على الرغم من أنهم يلعنونه لأنه خرج عن تعاليم حمزة الذي دبر لقتله سنة 411 هـ .

  4. الحسين بن حيدرة الفرغاني المعروف بالأخرم أو الأجدع : وهو المبشر بدعوة حمزة بين الناس .
  5. بهاء الدين أبو الحسن علي بن أحمد السموقي المعروف بالضيف :كان له أكبر الأثر في انتشار المذهب وقت غياب حمزة سنة 411هـ‍ . وهو الذي أغلق باب الإجتهاد في المذهب حرصاً على بقاء الأصول التي وضعها هو وحمزة والتميمي .

  6. أبو إبراهيم إسماعيل بن حامد التميمي : صهر حمزة وساعده الأيمن في الدعوة وهو الذي يليه في المرتبة .

ومن الزعماء المعاصرين لهذه الفرقة :
  1. كمال جنبلاط : زعيم سياسي لبناني أسس الحزب التقدمي الأشتراكي وقتل سنة 1977م.
  2. وليد جنبلاط : وهو زعيمهم الحالي وخليفة والده في زعامة الدروز وقيادة الحزب .

  3. د. نجيب العسراوي : رئيس الرابطة الدرزية بالبرازيل .


  4. عدنان بشير رشيد : رئيس الرابطة الدرزية في استراليا .

  5. سامي مكارم : الذي ساهم مع كمال جنبلاط في عدة تآليف في الدفاع عن الدروز .

الناس في الدرزية على درجات ثلاث :
  1. العقل : وهم طبقة رجال الدين الدارسين له والحفاظ عليه . وهم ثلاثة أقسام : رؤساء أو عقلاء أو أجاويد ، ويسمى رئيسهم شيخ العقل .
  2. الأجاويد : وهم الذين اطلعوا على تعاليم الدين والتزموا بها .

  3. الجهال : وهم عامة الناس .

أهم العقائد :
  • يعتقدون بألوهية الحاكم بأمر الله ولما مات قالوا بغيبته وانه سيرجع .

  • ينكرون الأنبياء والرسل جميعاً ويلقبونهم بالأبالسة .

  • يعتقدون بان المسيح هو داعيتهم حمزة .
  • يبغضون جميع أهل الديانات الأخرى والمسلمين منهم بخاصة ويستبيحون دماءهم وأموالهم وغشهم عند المقدرة .
  • يعتقدون بأن ديانتهم نسخت كل ما قبلها وينكرون جميع أحكام وعبادات الإسلام وأصوله كلها.

  • حج بعض كبار مفكريهم المعاصرين إلى الهند متظاهرين بأن عقيدتهم نابعة من حكمة الهند .ولا يكون الإنسان درزياً إلا إذا كتب أو تلى الميثاق الخاص .

  • يقولون بتناسخ الأرواح وأن الثواب والعقاب يكون بانتقال الروح من جسد صاحبها إلى جسد أسعد أو أشقى .

  • ينكرون الجنة والنار والثواب والعقاب الأخرويين .

  • ينكرون القرآن الكريم ويقولون إنه من وضع سلمان الفارسي ولهم مصحف خاص بهم يسمى المنفرد بذاته .

  • يرجعون عقائدهم إلى عصور متقدمة جداً ويفتخرون بالإنتساب إلى الفرعونية القديمة وإلى حكماء الهند القدامى .

  • يبدأ التاريخ عندهم من سنة 408هـ‍ وهي السنة التي أعلن فيها حمزة ألوهية الحاكم .
  • يعتقدون أن القيامة هي رجوع الحاكم الذي سيقودهم إلى هدم الكعبة وسحق المسلمين والنصارى في جميع أنحاء الأرض وأنهم سيحكمون العالم إلى الأبد ويفرضون الجزية والذل على المسلمين .
  • يعتقدون أن الحاكم أرسل خمسة أنبياء هم حمزة وإسماعيل ومحمد الكلمة وأبو الخير وبهاء .
  • يحرمون التزاوج مع غيرهم والصدقة عليهم ومساعدتهم كما يمنعون التعدد وإرجاع المطلقة .
  • يحرمون البنات من الميراث .
  • لا يعترفون بحرمة الأخت والأخ من الرضاعة .
  • لا يقبل الدروز أحداً في دينهم ولا يسمحون لأحد بالخروج منه .

  • ينقسم المجتمع الدرزي المعاصر - كما هو الحال سابقاً - من الناحية الدينية إلى قسمين :
  1. الروحانيين : بيدهم أسرار الطائفة وينقسمون إلى : رؤساء وعقلاء واجاويد .

  2. الجثمانيين : الذين يعتنون بالأمور الدنيوية وهم قسمان : أمراء وجهال .

    أما من الناحية الإجتماعية فلا يعترفون بالسلطات القائمة إنما يحكمهم شيخ العقل ونوابه وفق نظام الإقطاع الديني .
  • يعتقدون ما يعتقده الفلاسفة من ان إلههم خلق العقل الكلي وبواسطته وجدت النفس الكلية وعنها تفرعت المخلوقات .

  • يقولون في الصحابة أقوالاً منكرة .

  • التستر والكتمان من أصول معتقداتهم .

  • مناطقهم خالية من المساجد ويستعيضون عنها بخلوات يجتمعون فيها ولا يسمحون لأحد بدخولها.

  • لا يصومون في رمضان ولا يحجون إلى بيت الله الحرام ، وإنما يحجون إلى خلوة البياضة في بلدة حاصبية في لبنان ولا يزورون مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ولكنهم يزورون الكنيسة المريمية في قرية معلولا بمحافظة دمشق .

  • لا يتلقى الدرزي عقيدته ولا يبوحون بها إليه ولا يكون مكلفاً بتعاليمها إلا إذا بلغ سن الأربعين وهو سن العقل لديهم .

  • يصنف الدروز ضمن الفرق الباطنية لإيمانها بالتقية والقول بالباطن وبسرية العقائد .

  • تؤمن بالتناسخ بمعنى أن الإنسان إذا مات فإن روحه تتقمص إنساناً آخر يولد بعد موت الأول ، فإذا مات الثاني تقمصت روحه إنساناً ثالثاً وهكذا في مراحل متتابعة للفرد الواحد .

    للأعداد خمسة وسبعة مكانة خاصة في العقيدة الدرزية .
الجذور العقائدية :

  • تأثروا بالباطنية عموماً وخاصة الباطنية اليونانية متمثلة في أرسطو وأفلاطون وأتباع فيثاغورس واعتبرهم أسيادهم الروحانيين .

  • أخذوا جُل معتقداتهم عن الطائفة الإسماعيلية .

  • تأثروا بالدهريين في قولهم بالحياة الأبدية .
  • وقد تأثروا بالبوذية في كثير من الأفكار والمعتقدات ، كما تأثروا ببعض فلسفة الفرس والهند والفراعنة القدامى .

أماكن الإنتشار :
  • يعيش الدروز اليوم في لبنان وسوريا وفلسطين .

  • غالبيتهم العظمى في لبنان ونسبة كبيرة من الموجودين منهم في فلسطين المحتلة قد أخذوا الجنسية الإسرائلية وبعضهم يعمل في الجيش الإسرائيلي .

  • توجد لهم رابطة في البرازيل ورابطة في استراليا وغيرهما .
  • نفوذهم في لبنان الآن قوي جداً تحت زعامة وليد جنبلاط ويمثلهم الحزب الإشتراكي التقدمي ولهم دور كبير في الحرب اللبنانية وعداوتهم للمسلمين لا تخفى على أحد .

  • ويبلغ عدد المنتمين إليها حوالي 250 ألف نسمة موزعين بين سوريا 121 ألفاً ، ولبنان 90 ألفاً والباقي في فلسطين وبعض دول المهجر .

هذا ما تيسر ، وإن شاء الله لنا موعد قريب في حلقة جديدة من حلقات النقض المفصل لمعتقدات هذه الطائفة .